لا .. فذلك البيت المشبوه في آخر الشارع أصبح حديث الناس والجميع يتهامس عن رقيق ابيض يباع ويشترى في غفلة عن العيون والضمائر ..
قال له صديقه :
تعال معي .. ستعرف أشياء لا تخطر لك على بال ..
قال : اتركني أرجوك ..
باغته صديقه مغريا : لا تقلق .. سأدفع عنك الفاتورة .. فقط أريد أن أخرجك من هذه الحياة الكئيبة المسيطرة عليك ..
أجابه و هو يتحسس جيبه :
لا .. إنها مسألة مبدأ .. أخلاقي لا يمكن أن تنحدر إلى هذا الحضيض ..
قال صديقه وهو يبتعد عنه :
كما تريد .. ولكن .. على الأقل اكتشف هذا العالم .. أدخل للفرجة فقط .. للفرجة يا … أبا المبادئ ..
قالها ساخرا .. وانسحب ..
وغرق الفتى في صمت عميق .. حاصرته الأفكار .. دس يده في جيبه .. إنها بضع ورقات نقدية استدانها من شقيقته ليكمل مصاريف بقية الأسبوع بها .. يفكر في بيته .. أمه … أخته .. شقيقه الصغير .. كل هؤلاء ينتظرون منه أن يتخرج من الجامعة ليبحث عن عمل ويصرف عليهم .. أخته سبقته إلى التخرج وحملت شيئا من العبء .. أصبحت تعمل صباح مساء في أحد المستشفيات لتوفر له لقمة هانئة و وسادة مريحة ينام عليها آخر النهار .. بقي هو .. عليه أن يجتهد في المذاكرة لينهي دراسته بامتياز ..ولكن .. هؤلاء إخوة الشيطان لا يتركونه .. وان ابتعدوا عنه فإن كلماتهم لا زالت ترفرف فوق رأسه :
" أدخل و تفرج يا أبا المبادئ " .. نعم " ماذا سيحدث لو ذهبت إلى هناك ؟ " .. فقط أريد أن أعرف ماذا يجري في الداخل .. "
قالها لنفسه وهو يسير إلى نهاية الشارع بخطوات مرتبكة .. يعلم جيدا موقع البيت … ولكن .. هل يملك الجرأة لدخوله .. ؟ وقف بجانب البناء الذي يحتضن البيت المشبوه .. تسمّرت قدماه .. نظر حوله .. الحركة تضج في الشارع .. للحظة شعر أن كل العيون ترقبه .. وكل الأصابع تشير إليه وكل اتهامات الدنيا تطوق عنقه .. هل يدخل المبنى ..؟ تذكر أمه .. أخته .. أخوه الصغير .. تذكر أباه الذي يرقد في مقبرة مجاورة لهذا المكان .. تراجع .. ولكن ..( سأتفرج .. لن أرتكب أي حماقة .. أريد أن أعرف أي بيئة ساقطة هذه ) .. كلمات قليلة همس بها لنفسه كانت كفيلة بأن تجعله يتسلل بهدوء إلى العمارة ويهبط إلى القبو الأرضي منها .. باب واحد فقط أمامه ..امتدت يده ليقرع الجرس .. تراجع .. أوشك أن يصعد .. كل شيء داخله يقول له :
" هذا ليس مكانك .. " ولكن كلمة الشيطان البشري لا زالت تدور فوق رأسه :
" تفرج .. فقط تفرج .. !! "
قرع الجرس .. ووقف لبرهة قبل أن يسمع صوتا أنثويا خلف الباب يقول : من ؟
اضطرب .. أمطر جبينه عرقا .. قلب قفز من صدره .. أوشك أن يطلق ساقيه للريح لولا أن الباب فتح بسرعة لتطل سيدة تكاد تقترب من الخمسين من العمر .. " تأملها .. تأمّلته .. أرخى عينيه في الأرض .. خجلا ؟ .. رعبا ؟ .. حزنا ؟ ربما كل هذا .. قالت له : أهلا .. أهلا .. تفضل ..
هل ( يتفضل ) ؟ .. انه لم يأت ليقف عند الباب .. دلف إلى الداخل .. العتمة توشك أن تحتضن كل شيء .. لم يتبين ملامح البيت .. جلس .. وجلست السيدة بجواره .. لحظات صمت خالها الفتى دهرا ..
قالت له : يبدو انك مهموم .. لم أرك من قبل هنا .. ما اسمك ؟
قال مرتبكا : لا داعي للأسماء ..
ضحكت برقة مصطنعة وقالت : كما تشاء ..
قال : آسف .. آسف .. يبدو أني ..
أنه ماذا ؟ لقد حاول أن يكذب ويوهمها أنه يبحث عن صديق له..
قالت : ها .. أطلب .. طلباتك كلها متوفرة ..
قال : أنا .. أنا .. لا أدري ..
نعم .. لا يدري .. لا يدري كيف اقنع نفسه بالوصول إلى هنا ودخول هذا البيت والجلوس مع هذه السيدة …
قالت له : واضح انك محرج .. انظر إلى ذاك الباب .. افتحه .. ستجد ما ينسيك هموم الدنيا كلها ..
قال ولا زال الاضطراب يخنقه : ولكن .. أنا .. لا أريد أن ..
قاطعته : لا بأس .. هذا الاضطراب سيزول فور دخولك تلك الغرفة ..
قام من مكانه مضطربا .. و امتدت يده إلى الباب .. فتحه .. ودخل .. فتح عينه جيدا .. إنها هناك .. لم تنتبه لدخوله .. قال على استحياء : احم .. احم ..
انتبهت له .. رفع عينيه إليها .. يا للكارثة .. إنها أخته ..!!